“Come, come, whoever you are. Wanderer, worshiper, lover of leaving. It doesn't matter. Ours is not a caravan of despair. come, even if you have broken your vows a thousand times. Come, yet again , come , come.” Rumi

Thursday, May 10, 2018

دردشة مع مسلمة...أحمَدِيَة

أسكن "نورت بوتوماك" أو "شمال بوتوماك", مدينة تجاور العاصمة واشنطن دي-سي و تتميز عن باقي مدن ولاية ماريلاند بمساحاتها الخضراﺀ الشاسعة و فضول حيواناتها البرية . حيوانات أضحت أليفة بعدما اعتادت استيطان بني البشر للأراضي التي كانت – في الماضي القريب- غابات تضفي عليها أشجارها الشامخة هيبة و سحرا فريدين.
فكم مرة أيقظني صوت أيْلٍ يأكل الورود و الطماطم التي أنهك قواي زرعُها, و كم مرة اندهشت لسماع أنين
سنجاب وقع ضحية ثعلب يترقب الفريسة تلو الاخرى في حديقة بيتي الخلفية!
ما يميز"نورت بوتوماك" أيضا هو كونها "زرقاﺀ" أي أن أغلب ساكنتها تٌصوت لمرشحي الحزب الديمقراطي مما يدل على تنوع الجاليات التي جعلت من هذه المدينة المحطة النهائية لرحلتها الى بلاد العم سام.
و لا أبالغ ان قلت أنني قد ألمح, في اليوم الواحد, كل الأجناس بل وحتى مظاهر كل الديانات التي أعرفها و الأخرى التي أجهل كل شئ عن أركانها و فرائضها !
لم يكن إذاً غريبا أن أراها تتجول في أروقة المتجر الدي اعتدتُ ارتياده. سيدة في الأربعينيات من عمرها, أو هكذا بدت لي. طريقة وضعها لغطاء رأسها أوحت لي أنها قد تكون من مصر, فبادرتها بالسؤال بعد السلام: "هل تم الاعلان عن تاريخ يوم العيد؟" أخبرتني بابتسامة أن "جماعتها" ستفطر اليوم التالي ثم سألتني ان كنت ايرانية شيعية فقلت إنني مغربية و مسلمة. مدت يدها لتصافحني و قالت "أنا شاهينا, أحْمَدِيـَّة من أصول بنغلاديشية". بدا لي أنها كانت تتوقع ردة فعل معينة مني, غير أنني اكتفيت بقول "أوو واو!", و هي بصراحة عبارة اعتدت تكرارها كلما أردت التظاهر بأنني أفهم ما يقوله المتحدث أمامي بيد أنه لم تكن لي حينها أدنى دراية عمّا يعنيه كونها أحْمَدِيـَّة!
تتالت اللقاءات بيننا و أبهرتني شاهينا, الحاصلة على ماجستير في علوم البيولوجيا, بثقافتها الواسعة و نقاشاتها العميقة. لمّا سألتها -في إطار حديثنا عن مذهبها- إن كانت تصلي خمس صلاوات في اليوم, ابتسمت و أجابت" أنا مسلمة, و أمارس كل شعائر الإسلام!"
كنت حينها قد قرأت بعض المقالات حول الأحمدية فأخبرت شاهينا أنني لا أستوعب إصرارهم على تأكيد انتمائهم للإسلام مع العلم أن نبيهم هو ميرزا غلام أحمد!
استنكرت شاهينا كلامي و قالت "بل نبينا و خاتم النبيين هو محمد صلى الله عليه و سلم". ثم واصلت حديثها موضحة  أن الأحمدية يعتبرون ميرزا غلام أحمد المهدي المنتظر و المسيح الموعود, و أنه سعى إلى إعادة إحياء كلمة الحق و نشر الإسلام.
الاختلاف أصله إيمان الأحمدية بأن عيسى عليه السلام لم يمت على الصليب بل هاجر إلى الهند و عاش بمدينة سريناغار تحت اسم" يوز أساف" إلى أن توفاه الله. أضف إلى دلك كونهم يعتبرون أن المسيح الموعود هو نفسه المهدي المنتظر و أن خليفة الأحمدية الأول ميرزا هو كليهما.  
هي إذن مدرسة فكرية تؤكد تشَبُتَها بأصول الإسلام كما تؤكد حقها في تأويلات و اجتهادات خاصة شأنها في دلك شأن المدارس الفكرية الأخرى التي يزخر بها العالم الإسلامي.
و مع دلك, يتعرض الأحمدية إلى أبشع أنواع الاقصاء و العنف من قبل تيارات إسلامية أعطت نفسها حق محاكمة مسلمين و تكفيرهم بل و أحيانا كثيرة إهدار دمهم!
لا يُسمح للأحمدي بأن يسمي دار عبادته مسجدا كما يُمنع من الذهاب إلى الحج إدا أعلن مذهبه!
سألت صديقتي الأحمدية إن كانوا يلجؤون إلى التَّقِيًّة لتفادي المشاكل فقالت إنه لا وجود لهده الكلمة في قاموسهم بل إنهم يصرون على نشر مذهبهم بكل الطرق السلمية المتاحة لهم.
"نؤمن بقوة العلم و ندرك تمام الإدراك أن الجهاد يجب أن يكون بالقلم. لا نفرض توجهنا على أحد. نعم, يمكن اعتبارنا حركة تبشيرية و لكن لا ننسى أبدا أنه لا إكراه في الدين."
انقطعت أخبار صديقتي لمدة ثم التقينا ثانية عن طريق الفايسبوك. قرأت على صفحتها خبر مقتل أشخاص تم تعذيبهم و تدمير مسجدهم بباكستان  لكونهم أحمدية. حزنت صديقتي و حزنْتُ معها. بدا لي و كأن العالم الإسلامي يتفنن في إيجاد تبريرات لاستباحة الدماء: فالسني يكفر الشيعي و الشيعي يلعن السني, الإباظي يَعتبر مَن خالفه كافرا و الأصولي يحكم على باقي الفرق الإسلامية بالشرك!
التقيت صديقتي و واسيتها, تحدثنا عن ضرورة احترام الاختلاف. سألتها "مالذي تودين إيصاله للناس؟" أجابت " أقول للجميع أنه لا أحد مجبر على الانضمام إلينا, تجاهلونا إن أحببتم و لكن, رجاء, دعونا نعيش بسلام."
.........
ألقاكم قريبا, إن شاء الله!